تجربه مهمه في اداره
العلاقه مع الشريك
الاجنبي
دعاني منذ فتره المهندس عاطف حلمي
الذي افتتح وادار فرع شركه اوراكل العالميه للبرمجيات بمصر
طوال حوالي عشر سنوات وقفز به قفزات متلاحقه وقويه قبل ان
يتركه اخيرا لزياره مركز اوراكل العالمي للدعم الفني
بالقريه الذكيه, وكنت قد تابعت خلال السنتين الماضيتين
مراحل المخاض والميلاد التي مر بها هذا المركز لكن لم تتح
الفرصه لزيارته بعد ذلك, وبعد الزياره والاستماع لتفاصيل
كثيره حول ما وصل اليه استطيع القول اننا امام تجربه مهمه
في اداره العلاقه مع الشريك الاجنبي بقطاع تكنولوجيا
المعلومات والاتصالات, تحمل الكثير من المعاني والابعاد
التي طالما بحثنا عنها وطالبنا بها ولا نزال نفتقدها في
الغالبيه الساحقه من الاحيان.
ثمه نقطه اساسيه
يجب الاشاره اليها اولا عن طبيعه هذه العلاقه قبل الخوض في
تفاصيل التجربه, فالملاحظ ان مصر مصنفه حتي الان لدي
غالبيه الشركاء الاجانب كمكان لبيع وتسويق المنتجات وخدمات
ما بعد البيع وليس كشريك في الاستثمارات الكثيفه طويله
الاجل وعميقه الخبره, ويعود هذا التصنيف في المقام الاول
الي ان معظم السياسات المطبقه في هذا المجال منذ فتره
طويله وما يدور في فلكها من مشروعات صممت ونفذت انطلاقا من
فكره ان مصر سوق تجاريه غايه تعاملاتها مع الشريك الاجنبي
ان تتلقي ولا تبدع وتشتري ولا تشارك ولا تنجز قيمه مضافه
نابعه من الذات, وهو تصور نابع بالاساس من الانهزام
الداخلي وفقدان الثقه بالنفس وعدم الاقتناع بالقدره علي
التحدي, وكلها اشياء تقود ان لم يكن قد قادت بالفعل الي
حاله من التبعيه القائمه علي رد الفعل تجاه ما يفعله
الشركاء الاجانب.
في ضوء هذا السياق العام
للعلاقه مع الشركاء الاجانب ياتي الحديث عن اهميه تجربه
مركز الدعم الفني العالمي لاوراكل بالقريه الذكيه,
فاوراكل كما هو معروف تنتج برمجيات ونظم معلومات وقواعد
بيانات مخصصه لاداره العمل بالموسسات والمنشات, بدءا من
الشركات الصغيره وانتهاء بالموسسات العملاقه المتعدده
الجنسيه, ومنذ نشاتها وحتي الان اصبح لديها قائمه تضم
مئات الالاف من الشركات والموسسات التي تعمل ببرمجياتها
حول العالم وتحتاج طوال الوقت الي دعم فني عالي المستوي
لحل ما يقابلها من مشكلات تتعلق بتشغيل وصيانه وتطوير
برمجيات اوراكل الموجوده لديها.
وللتعامل مع هذه
الاحتياجات انشات اوراكل سلسله مكونه من ثمانيه مراكز
عالميه للدعم الفني, يعمل بها سبعه الاف خبير يتلقون
يوميا حوالي مليون و25 الف مشكله واستفسار وسوال من
الموسسات والشركات العامله ببرمجياتها حول العالم, ويقوم
نظام الدعم الفني الذي تطبقه اوراكل علي فكره العولمه
الكامله في تلقي المشكلات والتعامل معها وحلها, وذلك من
خلال نظام معلومات مركزي عالمي بالغ التطور والتعقيد ومطبق
فيه مستويات رفيعه من تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي,
ويعمل بالمفاهيم والتكنولوجيات المطبقه في شبكه الانترنت
من حيث طريقه التواصل بين اطرافه والمستفيدين منه لكنه
مغلق علي العاملين فيه والمتعاملين معه,
ويقوم
خبير الدعم الفني او الشركه التي تعمل ببرمجيات اوراكل
بالتسجيل فيه وفق معايير وقواعد خاصه تمنحها صلاحيات معينه
في استخدام النظام من اي مكان بالعالم, ويقوم النظام
بتلقي كل شكاوي ومشكلات الجهات والموسسات العامله ببرمجيات
اوراكل ثم تحليلها وفهرستها وتنظيمها وتحديد طبيعه وموهلات
الكوادر الفنيه وخبراء الدعم الفني الملتحقين بالنظام
والمناسبين لحلها, وفي لحظه وصول المشكله يقوم بمراجعه
موقف جميع الخبراء المتصلين بالنظام بكل مراكز الدعم الفني
لاوراكل علي مستوي العالم, من حيث نوعيتهم وخبراتهم
والتعرف علي من يصلح لحل كل مشكله علي حده ولديه وقت
لحلها, وبناء علي ذلك يوزع المهام عليهم بغض النظر عن
الموقع الجغرافي او التوقيت الزمني او الجنسيه, وبعد
وصول المشكله لخبراء الدعم يقوم النظام بمتابعه اداء كل
منهم في الحل ومدي وفائه والتزامه بالمعايير الموضوعه من
حيث التوقيت ومستوي الحل المقدم للمشكله ورضا العميل عن
الحل وغيرها, ويتم تلقي المشكلات وفرزها واعاده توجيهها
علي خبراء الدعم ثم متابعتها بصوره لحظيه واليه علي مدار
اليوم طوال24 ساعه.
بهذه الطريقه يمكننا القول
اننا بصدد مجتمع تخيلي عملاق يضم في جنباته مئات الالاف من
العملاء والشركات وعشرات الالاف من خبراء الدعم الفني حول
العالم, جميعهم يتواصلون ويتعاملون معا طوال الوقت,
وفي هذا المجتمع التخيلي المترامي الاطراف تعمل شبكه مراكز
الدعم بطريقه نمطيه ومعياريه, اي وفق معايير وقواعد
واحده متطابقه لا تختلف من مركز لاخر, كما تعمل بشكل
متمازج ومندمج بما يجعلها تبدو امام عملائها وزبائنها
كمركز عالمي موحد يقدم خدماته لاي جهه او شركه او شخص حول
العالم دون ان تكون هناك ايه فروق في الخدمه المقدمه ما
بين مركز واخر.
ومركز الدعم الفني العالمي
بالقاهره واحد من سلسله المراكز العامله بهذه الطريقه,
وهذا معناه ان المركز ليس مجرد تجمع لبعض الفنيين وخبراء
الدعم الذين يوجد الالاف منهم هنا وهناك وتم وضعهم في مكان
انيق ليعملوا بالقطعه او كيفما اتفق, بل هو كيان يرتبط
حيويا وعضويا بمنظومه عالميه موحده متكامله لتقديم الخدمه
وفق معايير رفيعه المستوي وصارمه جدا تعمل علي مدار اللحظه
وتحاسب وتقيم الاداء علي مدار اللحظه ايضا, كما يتعامل
مع موسسات مختلفه الاجناس والمشارب والاهواء والمشكلات,
ومن ثم فالعاملون فيه لابد ان يكونوا علي نفس المستوي
العالمي من المهاره وكفاءه الاداء والعقليه ومنهجيه
التفكير.
وقد بدا المركز بدايه صغيره في
عام2005 حيث كان يعمل به اربعون شخصا وزاد العدد حتي
اصبح360 شخصا في فبراير2007, ويتوقع ان يرتفع الي684
في مايو2008, وبعد ان كان المركز يقدم عند بدايه انشائه
نوعا واحدا من خدمات الدعم الفني داخل مجتمع اوراكل
العالمي التخيلي للدعم الفني اصبح يقدم الان سته
انواع.
ينقلنا ذلك الي القول اننا بصدد تجربه
تتجاوز ما هو اعمق من مفهوم التجاره الذي توقفت عنده شركات
عالميه اخري عديده تعمل بمصر ومنها من له مقر علي مرمي حجر
من مقر المركز بالقريه الذكيه, لكونها شكلا من اشكال
الاستثمار ذا القيمه المضافه الاعلي, سواء علي صعيد بناء
قدرات بشريه جديده وتعظيم استغلال ما هو قائم منها او
ارساء وتوطين اسس انشطه انتاجيه جديده تستوعب وتستفيد من
التغييرات الجذريه في اساليب وبيئات العمل
عالميا.
وعبر التفاصيل الكثيره التي ذكرها
المهندس عاطف حلمي وماجد طاهر مدير المركز حول رحله انشاء
المركز لاحظت بعض النقاط الجديره بالاشاره اليها في هذه
التجربه, منها دور مجموعه المصريين العاملين في اوراكل
ويحتلون مناصب حيويه, والتي امنت بضروره الاستفاده من
مواقعها في تسويق مصر بشكل موضوعي لدي قياده الشركه كبيئه
عمل واعده وصالحه لان تنضم الي منظومه الدعم الفني
العالميه للشركه وبامكانها تحقيق مصالح الشركه ومصالح مصر
معا, وكان علي راس هذه المجموعه الدكتور طارق السعدني
والمهندس عاطف حلمي وغيرهما, ومثل هذا الدور ليس بجديد
في مثل هذه المواقف, فقد سبق وقام به الهنود العاملون
بشركات التكنولوجيا الامريكيه مئات المرات ولا يزالون,
وبالطبع تلقت هذه المجموعه مساعده مهمه في القيام بدورها
بنجاح بعد التغييرات التي حدثت في الخطاب والاداء الحكومي
خلال السنوات الاخيره فيما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات
والاتصالات وبروز مسئولين علي الساحه خرجوا من عباءه قطاع
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات, حيث ادي هذا التغيير
لتسهيل عمليه التواصل والفهم المتبادل مع الشريك الاجنبي
اوراكل في هذه الحاله, واوجد قاعده للحوار والاخذ والرد
كانت مفقوده قبل ظهور الدكتور نظيف وفريقه كوزير ثم رئيس
وزراء.
وفي هذه التجربه نحن امام ثلاثه ابعاد
ايجابيه للعلاقه مع الشريك الاجنبي, الاول انها تجربه
قامت علي قاعده الفعل والاضافه من الجانب المحلي وليس
الشراء والملاحقه, وان هناك جهدا ملحوظا قد بذل في
المشروع بعيدا عن الافكار البغيضه من نوع تسليم المفتاح
والاستسهال وشراء كل شيء علي بياض, والثاني ان المشروع
لم يكتف بالتاكيد علي صياغه العلاقه بين الكوادر المحليه
والشريك الاجنبي وفقا لقاعده الايادي المتساويه بل حاول ان
تقوم العلاقه علي مفهوم يقلب الامر ويضعه في المسار الاصعب
الذي يلعب فيه الطرف المحلي دور المصدر والبائع والموفر
للخدمه والخبرات ذات المستوي العالمي بينما يلعب الشريك
الاجنبي دور المشتري والمتلقي, والبعد الثالث ان المشروع
جسد في النهايه نوعا من التوازن بين التسهيلات والمسئوليات
في التعامل مع الشريك الاجنبي, ففي مقابل التسهيلات التي
منحت للشريك الاجنبي في مجال البنيه الاساسيه والمكان
وتكلفه العماله وغيرها كان هناك التزام من الشريك تجاه
توفير فرص للعمل والاستثمار امام الكوادر المحليه المدربه
وفتح المجال امامها نحو الحصول علي المزيد من المهارات
وفرص العمل في مجال الاعمال
المتخصصه.
والخلاصه.. نحن امام تجربه تقول ان
احداث تغيير نوعي في العلاقه مع الشركاء الاجانب امر ممكن
للغايه, ويتطلب فقط ان يكون لدي مسئولي هذا القطاع رويه
واضحه للعلاقه مع الشركاء الاجانب تتجاوز حدود التجاره
والسمسره الي التوطين والبناء والتنميه, وان يكون لديهم
النيه والاراده والاستعداد للنضال والتضحيه لتحقيق ذلك,
لان الامر سيتصادم حتما مع مصالح الكثير من القوي النافذه
التي يوجد بعض اطرافها بالقرب من دائره صنع القرار او
داخلها.