|
في الحروب المعاصرة أصبحت حزم
البيانات والمعلومات والبرمجيات والحاسبات تمتزج مع طلقات
البارود ودانات المدافع والقنابل شديدة الانفجار, ومن ثم
لم يعد النظر إلي الحرب مقصورا علي أهدافها ومجرياتها
ونتائجها العسكرية والسياسية, بل دخل علي الخط الوجه
المعلوماتي للحرب كجزء حيوي لا تكتمل الصورة بدونه, وفي
الحرب علي لبنان اتسعت مساحة الوجه المعلوماتي بشكل واضح
حتي يمكننا القول أنها في نهاية الأمر كانت صداما غير
مسبوق بين طرف ـ وهو إسرائيل ـ اعتمد استراتيجية التوظيف
العسكري الكثيف لمنظومة معلوماتية هجومية في مختلف مراحل
المعركة, وضمت هذه المنظومة جميع أشكال وأدوات تكنولوجيا
المعلومات والاتصالات الأكثر تقدما, وطرف آخر ـ حزب الله
ـ اعتمد منظومة معلوماتية دفاعية قائمة علي التوظيف
العسكري الكثيف لأدوات ومفاهيم أمن المعلومات بصورها
التقليدية والحديثة وبشكل تلاحمت فيه البساطة مع
البراعة.. كيف؟
يتطلب توضيح هذه الفرضية البدء
باستعراض الميزان المعلوماتي للطرفين, ولو بدأنا بالجانب
الإسرائيلي سنجد أمامنا جيشا نظاميا له بنيته المؤسسية
المعروفة في العلوم العسكرية, ولديه بنية معلوماتية
شديدة التطور تم تشييدها وتطويرها وتحسينها بمعدلات
متسارعة استنادا إلي القاعدة البحثية والعلمية الإسرائيلية
والانفتاح اللامحدود علي المجمع الصناعي العلمي العسكري
الأمريكي, وفي ضوء ذلك يمكننا الإشارة ـ بشكل سريع وعلي
سبيل المثال لا الحصر ـ إلي نماذج قليلة من مكونات
المنظومة المعلوماتية التي دخل بها الإسرائيليون الحرب علي
لبنان كالتالي:
ـ منظومات معلومات( القيادة
والسيطرة والمراقبة والمتابعة والاستخبارات) التي تعمل
علي مستوي الجيش ووزارة الدفاع وتغطي مراكز القيادة
والسيطرة علي مستوي الوحدات العسكرية التكتيكية العاملة في
الميدان ومراكز القيادة والسيطرة في التشكيلات الأكبر
فالأكبر حتي مراكز القيادة والسيطرة الاستراتيجية علي
مستوي الجيش, ومن حيث المعدات تضم هذه المنظومة الحاسبات
الفائقة السوبر كمبيوتر والحاسبات الكبيرة وشبكات
المعلومات والاتصالات المؤمنة وآلاف من الوحدات الطرفية في
شكل حاسبات محمولة وأجهزة اتصالات وشرائح إلكترونية
وكاميرات وأجهزة رادار وأقمار صناعية.
ـ نظم
معلومات القتال بالجيوش والقوات البرية ومنها علي سبيل
المثال لا الحصر( نظام معلومات تحليل كل المصادر),
و( نظام معلومات قيادة المعارك البرية), و(نظام
المعلومات التكتيكية المتقدم لخدمة مدفعية الميدان),
و( نظام البيانات التكتيكية لمدفعية الميدان),
و(نظام القيادة والسيطرة و الاستخبارات للدفاع الجوي
الأمامي بميدان المعركة).
ـ نظم معلومات القتال
بالقوات الجوية ومنها نظم الاستطلاع المحمولة جوا, و
نظام معلومات استخبارات المعارك الجوية, ونظام معلومات
التخطيط الآلي لمسرح العمليات الجوية الطارئة.
ـ
نظم معلومات القتال بالقوات البحرية ومنها نظام دعم
القيادة المحمول للعمل من الشاطيءونظام المعلومات البحري
الموحد للسيطرة والملاحة, ونظام القيادة و السيطرة
البحري المعروف باسم نوتس.
ـ بعض النظم الأخري
الداعمة كنظم المعلومات الجغرافية ونظام تحديد المواقع
العالمي بالأقمار الصناعية والأسلحة الذكية الموجهة
بالأقمار الصناعية والعقول الإلكترونية ونظم معلومات
المخابرات والاستطلاع وغيرها.
أما الطرف الثاني
في الحرب وهو حزب الله فمختلف في كل شيء, فهو ليس جيشا
نظاميا ولكن مجموعات لها بنية أساسية قائمة علي مفاهيم حرب
العصابات, كالكر والفر والمراوغة والضربات السريعة
المفاجئة الموجعة التي تستنزف العدو, وليس لديها قواعد
بيانات عملاقة ولا حاسبات( سوبر) ولا معدات معلوماتية
قتالية في البر والبحر والجو ولا معدات اتصالات
متطورة... آلخ, ولا أجهزة ومعدات للقيادة والسيطرة
والمراقبة والاستخبارات, وبالتالي فبنيتها المعلوماتية
أقل تطورا في معظم مكوناتها وأدواتها ونطاق عملها
وانتشارها.العبء المعلوماتي للطرفين
من الحقائق
المعروفة أن المعلومات الواضحة هي المقابل الموضوعي
لضبابية الحرب, وأن المنظومات المعلوماتية بما تضمه من
أسلحة ذكية ونظم وأدوات لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات
لا قيمة لها بدون معلومات, بمعني آخر المعلومات هي
الوقود اللازم لتشغيل أي بنية معلوماتية عسكرية أو غير
عسكرية, وهذه الحقائق ألقت علي الطرفين بأعباء تكاد تكون
متساوية الوطأة, ليس فقط أثناء الحرب الأخيرة ولكن منذ
المواجهات التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب
اللبناني عام2000, فالإسرائيليون كانوا بحاجة طوال الوقت
إلي تجميع معلومات وبيانات أولية عن كل ما يخص الحزب
وكوادره العسكرية والسياسية وقواعده ومراكز تدريبه ومخازن
سلاحه ومواقع منصات صواريخه ونظام اتصالاته وخططه
وتكتيكاته, ثم ضخ هذه البيانات والمعلومات في مختلف
مفاصل ومكونات منظومتهم المعلوماتية وأفرعها المتشعبة داخل
قواتهم البرية والجوية والبحرية والمظلات والقوات
الخاصة, بما يجعل هذه المنظومة جاهزة للتوظيف أثناء
الحرب بالشكل الذي يحقق أكبر قدر من الفاعلية لأداء قواتهم
وأسلحتهم, ومن هنا كانت نقطة الارتكاز في الاستراتيجية
المعلوماتية للإسرائيليين هي إدارة عمليات جمع وفهرسه
وتخزين ومعالجة وتداول وتوظيف المعلومات عسكريا بمفهوم
هجومي بالأساس, ومن ثم اتبعوا طوال الوقت أدوات وتكتيكات
تعقب وجمع المعلومات ثم ضخها في نظم وقواعد المعلومات
العسكرية المتنوعة لديهم أولا بأول لتوظف في تخطيط وإدارة
الحرب.
وفي حزب الله كان العبء المعلوماتي
مختلفا, إذ لم يكن في مقدمة أولوياته جمع معلومات عن
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وتركيبتها ومواقعها بمفهوم
هجومي, بل كانت اولوياته تركز علي إدارة فعالة ومؤمنة
للمعلومات التي تكفل التصدي لهجمات إسرائيل ثم ممارسة رد
الفعل عليها, ومن ثم تمثلت نقطة الارتكاز في
الاستراتيجية المعلوماتية للحزب في حرمان العدو من الحصول
علي أي معلومات او بيانات اولية تساعده علي القيام بهجمات
مؤثرة وفاعلة علي أي شيء يخص الحزب سواء كانت هناك حرب أم
لا, بعبارة أخري إغراق الاسرائيليين في حالة( فقر
معلوماتي مدقع) حول الحزب طوال الوقت, ولتنفيذ هذه
الاستراتيجية طور الحزب خططا وسياسات أمن معلومات شديدة
الإحكام والفاعلية قامت علي اعتراض تكتيكات وأدوات تعقب
وجمع المعلومات من جانب العدو, وحولها إلي ثقافة وعقيدة
أساسية وراسخة لدي جميع كوادره وأعضائه, وبالطبع كان لكل
طرف أدوات أخري متنوعة في إدارة استراتيجيته المعلوماتية
بخلاف المسار الجوهري الرئيسي السالف ذكره.
الاختبار الفعلي اندلعت الحرب
وتوالت أحداثها بسرعة وراحت آلة الحرب الإسرائيلية تشن
هجماتها وفق بنك الأهداف الذي تم بناؤه سلفا وجري ضخ
بياناته ومعلوماته في العقول الإلكترونية للطائرات
والبوارج والصواريخ والقنابل الذكية ونظم معلومات القيادة
والسيطرة والتحكم والمراقبة ونظم نقل القوات وغيرها,
فجري ضرب مئات الأهداف في طول لبنان وعرضه, وتنفيذ
عمليات برية محدودة تحولت في الأسبوع الأخير لهجوم موسع,
كما نفذت ثلاث عمليات إنزال من الجو الأولي في بعلبك
والثانية في صور والثالثة بالقرب من نهر الليطاني وكانت
الأوسع والأكبر من نوعها, وفي المقابل وضعت استراتيجية
حزب الله في( إفقار العدو معلوماتيا) علي المحك
ميدانيا.
بعد توقف إطلاق النار اكتشف الجميع أن
الغالبية الساحقة من الهجمات الإسرائيلية جوا وبحرا وبرا
أصابت أهدافا مدنية غير تابعة لحزب الله ولا علاقة لها
ببنيته التنظيمية والعسكرية, فلم يشاهد العالم منصات
مدمرة أو مخابيء أسلحة مستوي عليها أو مجموعات قتالية
للحزب وقعت في الأسر أو أنفاق أرضية جري تدميرها, أو
قيادات بارزة تم قتلها أو تحرير للجنديين الأسيرين لدي
الحزب أو تراجع لمقاتليه شمال نهر الليطاني, كما لم تحقق
عمليات الإنزال أية إنجازات يمكن القول أنها نتيجة توظيف
عسكري جيد لتكنولوجيا المعلومات, ومعني ذلك كله أن
البنية المعلوماتية والتكنولوجية للجيش الإسرائيلي كانت
رديئة الكفاءة خلال الحرب, وأن التقدم المذهل في مكونات
هذه البنية من حاسبات وقواعد بيانات وشبكات اتصالات وعقول
إلكترونية لم يحقق الفعالية المفترضة به في مراحل الجمع
والتصنيف والتحليل ودعم اتخاذ القرار وفي دقة التصويب
وانتقاء الأهداف التي يؤدي تدميرها لتحقيق إنجازات عسكرية
مؤثرة.
علي الجانب الآخر شاهد العالم حزب الله
وهو يصنع مقابر لعشرات الدبابات الإسرائيلية المزودة بنظم
اتصالات ومعلومات غاية في التقدم, ويسقط مئات العسكريين
الإسرائيليين بين قتيل وجريح ويدمر طائرة مروحية, ويضرب
بارجتين, ويطلق عدة آلاف من الصواريخ علي ما يقرب من نصف
إسرائيل وفق توازنات محسوبة, وحينما دفع العدو بشبكة
جواسيس إلي الضاحية الجنوبية لبيروت نجح الحزب في كشفها
وإلقاء القبض عليها, وفي غضون ذلك لم يظهر مقاتلو الحزب
وقياداته العسكرية علي شاشات الفضائيات ولا منصات إطلاق
الصواريخ, وراح العالم يشاهد أفعال الحزب ولا يري رجاله
ومقاتليه وأسلحته, والمثير للدهشة أن المقاتل الوحيد
الذي ظهر علي احدي الفضائيات بعد الحرب كان يمسك بيده جهاز
اتصال لاسلكي ويتحدث فيه, وهذا معناه أن لدي حزب الله
نظام اتصالات لاسلكية مؤمن ومشفر بمهارة عالية استعصي علي
الإسرائليين اختراقه بما لديهم من تاريخ طويل في عمليات
التلصص وفك الشفرات, وهو ما قدم تطبيقا رائعا وغير مسبوق
لسياسية أمن المعلومات القائمة علي فكرة الإفقار
المعلوماتي للعدو, وفي النهاية خرج الحزب من المواجهة
ببنية مؤسسية سياسية وعسكرية متماسكة.
يكشف ما
سبق عن أن التصادم العنيف والمرير علي مدي33 يوما بين
الاستراتيجية المعلوماتية الإسرائيلية والاستراتيجية
المعلوماتية لحزب الله قد أسفر عمليا عن نجاح استراتيجية
الحزب في حرمان المنظومة الإسرائيلية إلي حد كبير من أن
تتغذي علي بيانات ومعلومات أولية صحيحة وكاملة من أرض
المعركة قبل وأثناء اندلاع القتال, بدليل أن قواعد
البيانات والصواريخ والقنابل الموجهة والحاسبات العملاقة
ونظم المعلومات القتالية بالبر والبحر والجو وغيرها,
جميعها كانت في النهاية( جاهلة) لا تعرف طبيعة خصمها
وقدراته, و(عمياء) تضل طريقها إلي الأهداف العسكرية
للحزب التي يؤدي تدميرها إلي تحقيق نصر عسكري إسرائيلي
يترجم لنصر سياسي لا لبس فيه.
يمكن القول إذن أن
استراتيجية أمن المعلومات لدي الحزب نجحت في تحييد منظومة
معلومات الجيش الإسرائيلي وشل فاعليتها إلي حد كبير, ليس
بالتدمير والاستهداف المباشرة وإنما بالحرمان من غذائها
المعلوماتي الذي احتاجت إليه في مختلف مراحل المعركة,
وهو ما يجعلنا نقول إنها استراتيجية جمعت بين البساطة
والبراعة وجعلت الحزب عبارة عن مغارة أو قلعة معلوماتية
مغلقة أمام العدو.
|